عبد الكريم الخطيب

168

التفسير القرآنى للقرآن

فيه أن يكون قائما على معيار يسع الناس جميعا . . الأقوياء والضعفاء . . في جميع الأزمان والأوطان . لذلك اقتضت رحمة الخالق بعباده ، في دعوتهم إلى الإسلام ، الذي أريد له أن يكون دين الإنسانية ، ومختتم رسالات السماء - اقتضت هذه الرحمة الراحمة أن تكون شريعة هذا الدين مقدرة على قدر ما يحتمل الضعفاء لا الأقوياء ، وأن يكون ما في الأقوياء من قدرة على احتمال ما فوق هذا التشريع هو فضل من فضل اللّه عليهم ، يزدادون به كمالا فوق الكمال الذي بلغوه بأداء ما كلّفوا . . فإنه ما على المحسنين من سبيل . وقوله تعالى : « وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ » بيان للحكمة التي أرادها اللّه من وراء هذا الامتحان الذي امتحن المسلمين به ، حين وجههم إلى بيت المقدس ، ثم عدل وجههم عنه إلى البيت الحرام . ففي هذا الامتحان يختبر إيمان المؤمنين ، وتظهر حقيقة ما عندهم من طاعة وامتثال للّه ولرسوله ، من غير أن تدور في رؤوسهم أسئلة التوقف ، فيقول قائلهم : ما هذا ؟ ولم ؟ وكيف ؟ إذ أن من شأن المؤمن أن يتلقى أمر الرسول بالقبول والتسليم ، امتثالا لقوله تعالى : « وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » : ( 7 : الحشر ) وفي قوله تعالى : « وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ » إشارة إلى أن هذه المحنة التي امتحن بها المؤمنون كبيرة ، لا يجوزها بقلب سليم ، ونفس مطمئنة إلّا الذين هداهم اللّه وثبت أقدامهم على طريق الحق واليقين : « وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » : ( 213 : البقرة ) . وقوله تعالى : « وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ » تطمين لقلوب المؤمنين الذين وقع في نفوسهم شئ من صلاتهم التي كانوا يصلّونها إلى بيت المقدس ،